قديم 03-04-2015, 12:37 PM   #11
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


تعرف يا جمال يمكن ما تصدق انا حبيتك متين ... من اول مرة شفتك فيها ... أي والله كان حب من اول نظرة ... لمن طلعت اقدم صحبتي ولقيتك واقف بتعاين للعمال البنزلوا عفشكم من اللوري ... لفت نظري شكلك .. كنت حزين شديد وزي البتبكي .. لحظتها حنيت عليك وقربت اجي اسالك مالك بس خجلت ... ولمن اتصاحبنا كلنا وبقيت اجي بيتكم كتير .. كان اعجابي بيك بيزيد يوم ورا يوم ... بعترف انو بالاول كان شكلك هو العاجبني ... لكن بعد فترة بقيت مبهورة بادبك واخلاقك وشطارتك واحساسك بالمسئولية ... وبالطريقة البتعاملني بيها .. حسستني كأني اميرة في واحدة من القصص الخرافية ... كنت قدام الناس كلها زول جاد وعرفت تدس مشاعرك كويس ... الا مني انا ... كنت حاسة بيك ... كنت عارفة انك بتبادلني نفس الاحساس ... مرات كتيرة وفي فورة اندفاع المراهقة داك قربت اصارحك .. لكن الخوف والخجل منعوني ... لمن مشيت الداخلية زعلت وفرحت في نفس الوقت ... زعلت لانو غيابك خلق جواي فراغ مافي أي شئ قدر يملاهو .. وما كنت باحس اني ملانة الا لمن تجي من الداخلية نهاية الاسبوع واشوفك ... فرحت لاني كنت خايفة من الاحساس الجواي ... وقلت اثناء غيابك حاقنع نفسي انو دي مشاعر عابرة ولازم اتخلص منها ... كنت عارفة شنو ممكن يحصل لو أي زول عرف بمشاعري الانا داساها بحرص ...لكن يا جمال المشكلة بقت انو انت في وجودك ولا غيابك كل يوم بتتزرع جواي اكتر ... وكل ما اكبر يوم احساسي بيك بيكبر معاي .. يوم مشينا المتحف داك كان اسعد يوم في حياتي برغم اننا ما قلنا ولا كلمة لبعض دخلنا ومشينـا وقعدنـا واحنا ساكتين تصدق انا حتى ما متذكرة منو فينا مسك ايد التاني !! لكن الشئ المتذكراهو انو ايدينا دي قالت كلام كتير كان اللسان خايف وعاجز يقولوا .. ومن اليوم ولغاية هسة مشاعرنا زادت الاف المرات وبقت اعمق وانضج ... انت عارف انو دي اول مرة تنناقش في موضوعنا ؟؟ انا كنت عارفة انو حتجي لحظة لازم نقعد ونتكلم ونحدد حنعمل شنو ... وكنت خايفة من اللحظة دي خوف الموت ... لاني بالجد محتارة احنا حنتصرف كيف ...

عندما صمتت بانفاس متهدجة .. ادار جمال محرك السيارة واصبحت تعابيره مصممة وجادة ...
- ما تخافي يا منال إن شاء الله ربنا بيسهل علينا الامور لانو هو بس العالم بالاحساس الجوانا وقدر شنو هو نقي وصادق ... " الله محبة " وهو العادل ... ما حيرضى اننا نتظلم ... انا بس عاوزك تكوني قوية خالص ... وتقتنعي من جواك اننا حنكون لبعض مهما حصل وتختي في بالك انو قرار ارتباطنا حيكون اصعب قرار نتخذه في حياتنا كلها .. واننا لازم نحارب عشان ناخد حقنا ...

ساد بينهما صمت طويل حتى وصلت منال الى " الكوافير " وقبل ان تترك السيارة ضغطت على يده بقوة .. ثم ترجلت بخطوات تعبة تتابعها عينا جمال باشفاق حتى اختفت خلف الباب الزجاجي المظلل باللون الاسود ...
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 03-04-2015, 12:38 PM   #12
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


الفصل الخامس

تهادت رحمة بفستانها االابيض يتبعها ذيله الطويل على طول الممر المفروش بالسجاد الاحمر ... بدت فاتنة بطولها الفارع وتقاطيعها الجميلة ونظراتها الحالمة .. بين ذراعيها استكانت باقة ورد ناصعة ومزينة بشرائط زهرية لامعة ... تعلقت يدها بيد زوجها الفخور الذي بدت سعادته واضحة في الابتسامة الطفولية الجذلة .. بينما تابعته نظرات الفتيات وهن يتهامسن على اناقته الملفتة ... فقد بدا كأحد فرسان العصور الوسطى ببذته السوداء التي تضارب لونها مع قميصه الابيض والفراشة الحمراء التي تزين عنقه و يتماشى لونها مع حزام الستان العريض في خصره ...
تقدم الموكب صبي صغير يحمل مصحفاً وضع في وسادة من المخمل الاحمر ... تبعته قافلة من الصغيرات اللائي قمن بنثر اوراق الورد على طول الممر لتطاها اقدام الفتيات الاكبر سنا وهن يحملن الشموع البيضاء المزينة بالشرائط الزهرية ... ومن خلف رحمة كانت الاشبينات يدرن كالفراشات وقد احتار الناظرون اليهم في تحديد ايهن اكثر جمالا من الاخرى ... كان همس الحرير يتطاير حول اجسادهن المغرية في فساتين زهرية ناعمة وتكللت رؤوسهن بتيجان من الورد الطبيعي بنفس اللون ... تعالت الزغاريد وبدات موسيقى هادئة تعزف الحانها ووقف معظم الحضور حتى يحظى بمتابعة اوضح للموكب الفخم المتقدم ببطء في الممر الطويل ... من بعيد ظهر حامد ود العمدة وهو يسير برصانة الملوك .. احتضن العريس مهنئاً وقبل حفيدته في جبينها بحنو .. من خلفه وقفت بلقيس بهيئتها المتناقضة ... كانت دموعها تسيل بغزارة في وجه علته ابتسامة مشرقة كضوء الشمس اطلقت زغرودة طويلة بدت وكانها سوف تستمر للابد .. ثم احتضنت ابنتها في عناق قوي استغرقت منال وقتا كي تفصمه وهي تهمس في اذن امها ...
- امي .. فكيها عشان التسريحة ما تخرب ... وما تبكي عشان عشان رحمة حتبكي معاك وتبوظ المكياج ...
عندما وصل الموكب اخيرا الى (الكوشة) الفخمة ..كانت عينا رحمة تدوران بقلق وهي تتامل الحضور بحثا عن وجه بعينه ... عندما اعيتها المحاولة مالت على امها التي تمسك يدها بقوة وهي تسالها ..
- امي ؟؟ حبوبة السرة وينا ما شايفاها ؟؟!! ...
ردت بلقيس بخفوت وهي تتلقى سيل التهاني ...
- حبوبتك تعبت شوية ... اليوم كان طويل عليها وانتي عارفة صحتها ما بقت تستحمل قالت بترتاح حبة وتطلع ..
ظهر الفزع على ملامح رحمة وعلا صوتها بدون وعي وهي تخاطب امها ...
- حبوبة تعبانة وما شافتني لمن دخلت ؟؟ تعال يا محمود ارح جوة نسلم على حبوبة ..
ووسط دهشة الحضور امسكت رحمة بيد زوجها وهي تشق الجموع الى الباب الكبير المؤدي الى المنزل تتبعها بلقيس وهي تقديم التبريرات لتصرفات ابنتها ...
- ماشة تسلم على حبوبتها عشان ما قدرت تطلع تشوفها ...
كانت تلتفت خلفا بانزعاج وهي تبحث عن ابنتها الاخرى ..
- تعالي يا منال ارفعي فستان اختك عشان ما يتوسخ ...
على سرير في منتصف الباحة الخلفية بدت السرة المستلقية وهي تتامل النجوم بصمت وغارقة في خيالاتها كأنها في عالم آخر ... انتبهت على صوت الزغاريد والضجة المصاحبة للعروس .. ابتسمت بفرح وهي ترى حفيدتها تتقدم نحوها مسنودة بيد زوجها ونظرات القلق تملا عينيها ..
- حبوبة مالك ؟؟ سلامتك ... صحي تعبانة ؟؟
نهضت السرة وغطت راسها بثوبها واطلقت زغرودة عالية ثم احتضنت حفيدتها وانحدرت دموعها وهي تردد ...
- ما شاء الله تبارك الله .. الصلاة على النبي .. بتي القمرة عروس ؟؟ يا ولد يا محمود تخت رحمة دي جوة عيونك .. دي الغالية بت الغالية .. واوعى يوم تجي تشتكي لي منك ..
تحلّق الجميع حول سرير السرة التي اقنعت حفيدتها انها بخير وطلبت منها الخروج حتى يبدا الحفل وما ان غاب الموكب عن انظارها حتى دست يدها تحت الوسادة واخرجت علبة صغيرة تناولت منها لفافة تبغ رفيعة .. وضعتها على شفتيها باحتراف .. مالت وهي تحجز شعلة اللهب الصغيرة المتراقصة من تيار الهواء ... امتصت نفساً عميقاً حتى توهج طرف اللفافة ثم عاودت الاستلقاء على ظهرها ومراقبة النجوم ... لقد اعادتها فرحة رحمة الى ذكرى اخرى بعيدة ذكرى فرحتها وهي تزف الى حبيبها ابراهيم ... اخرجت الدخان من فمها ونفثته في الجو فتعالت حلقات متراصة تتسع كلما صعدت الى اعلى حتى تتلاشى مع هبات النسيم ... ابتسمت السرة بسخرية فقد كانت الحلقات الدخانية تشبه حياتها تماماً ... الان لم تعد تهتم بما آلت اليه ايامها .. فقد اصبحت كل اللحظات متشابهة ومكررة للحظات عاشتها قبلاً ... لحظات عاشتها بعمق ... صادقت فيها حزنها وتجاوبت مع فرحها ... تجاوزت الصعاب وتخطت الاحباطات ... هادنت الالم وتغلبت عليه .. كانت دروس مهادنة الالم هي الاصعب والاكثر قسوة لانها بدات باكراً ...
تذكرت صباحا شتويا دافئا تدثرت فيه بفانلة الصوف وهي ترسم خطوط لعبة ( الحجلة ) بعود صغير على ارض الحوش الجافة تناوبت بعدها هي وشقيقاتها الاكبر سناً في رمي الحجر ومحاولة تمريره من مربع لآخر وهن يقفزن بقدم واحدة ...كانت في منتصف اللعبة عندما اتت والدتها واقتلعتها من وسط ضجيج اللعب دون ان تابه لاحتجاجها ... ادخلتها غرفتها حيث ( الطشت ) الملئ بالماء الساخن .. فركت جسدها الصغير بالصابون المعطر ... جففتها وجدلت لها شعرها الطويل الكثيف ... البستها قميصاً جديدا زاهيا ... واقتادتها الى غرفة الضيوف المحرمة عليهم في الاحوال العادية ... احست ابنة السابعة بالحيرة .... وسرعان ما تحول احساسها الى الم حاد وصرخات مذعورة اطلقتها بينما كانت الداية تقتطع لحمها بحضور امها المراة القوية التي لقنتها في ذلك اليوم اول دروس مهادنة الالم وهي تهمس في اذنها...
- اسكتي يا بت ... اقفلي خشمك دة واوعاك تتعودي على الصريخ ... المرة التمام ما بتكورك ولو اكلت الجمر ... صوتك دة ما يطلع برة ابدا فاهمة ولا لا ؟؟
لم يتوقف صراخها ... لكنه انعكس واصبح موجه الى داخلها ... لم تعد تصدر صوتا ... بينما امتلات اعماقها بضجيج الالم ... كانت طفلة تضج بالحياة ... ممتلئة القوام بوجه مستدير كالقمر .. وشعر اسود طويل وكثيف .. عيون سوداء لامعة ولون مائل الى السمرة ولكنه يجافيها ... عندما بلغت العاشرة تجدد موعدها مع الالم ... لكن هذه المرة حرصت امها على تهياتها نفسياً لاستقبال ما هو آت ... حفزتها بكلمات مبهمة عن مدى اهمية هذا الطقس ودوره في ابراز جمالها ونقلها من دنيا الاطفال الى عالم النساء ...يبدو ان المها والشتاء كانا على وفاق ... فقد كان البرد قارساً .. وعندما اشتكت من حدته لامها نهرتها قائلة ...
- البرد احسن عشان الجرح يبرا سريع وما يحصل ليك شئ ...
كانت ( الشلاخة ) عجوز شامخة مشهورة بدقتها ومهارتها في قريتهم والقرى المجاورة ... تتميز بوجع مفلطح عريض لامع السواد احتل الانف الافطس مساحة كبيرة منه .. عيناها صغيرتان كحبات الخرز .. ومن اطراف المنديل الابيض المربوط باحكام على راسها ... ظهرت مقدمة شعرها خشنة ومبرومة كحبات الفلفل الاسود ... عندما تتحرك تتبعها موجة من روائح المحلبية المختلطة برائحة اخرى لم يستطع انفها الصغير تمييزها ...
في ذلك اليوم لم تستطع التمسك بنصيحة امها ... وهزت صرخاتها فضاء البيت عندما شرعت الشلاخة في شق خدودها بموس حاد ... بدات بالخد الايمن فرسمت فيه ثلاث خطوط طولية عميقة ثم انتقلت الى الخد الايسر لترسم شبيهتها ... حاولت ان تتملص وتفلت من الالم الذي مزقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتى خارت قواها ... لحظتها تمنت الموت حتى تتخلص من الالم ... عندما انتهت العملية غسلوا لها جروحها ووضعوا عليها قطع قطن مشبع بالمحلبية والقطران ظل الالم يلازمها قرابة الشهر عانت فيه ما عانت من حمى وهذيان .. تورم وجهها حتى صار كالبالون ... عافت نفسها الاكل وحرمت حتى من نعمة البكاء كي لا تنزل دموعها المالحة على جروحها المفتوحة وتزيد المها ... لم تنظر الى وجهها في المرآة الا بعد مرور شهرين واحست بسعادة غامرة عندما وجدته مزيناً بشلوخ عريضة ... عميقة ومنتفخة ... نسيت معاناتها السابقة واصبحت تتباهى بشلوخها المتقنة بين قريناتها .
عندما بلغت الخامسة عشرة كانت قد اصبحت امراة مكتملة الانوثة ... ووقتها سمعت لاول مرة جملة ( ابراهيم للسرة والسرة لابراهيم ) وانتفض قلبها طرباً لفكرة الزواج من ابن عمها الامين عمدة القرية ... كان يكبرها بثلاث سنوات ... تميز عن اخوانه بوسامة ظاهرة وذكاء حاد ... وبعد ان انهى دراسته الثانوية توقع الجميع ان يتفرغ لادارة تجارة ابيه الواسعة خصوصا بعد ترشيحه لمنصب العمدة خلفا لوالده بحكم انه اكبر الاولاد ... لكنه فاجا الجميع بقرار دخول الجامعة في العاصمة ... انقبض قلب السرة عندما سمعت بقراره ... انتابتها الهواجس وملات عقلها الوساوس خوفا من ان يغير ابن عمها رايه من الزواج بها اذا ما عاش في العاصمة ووجد اخرى تنسيه ابنة عمه القروية لكنه بدد مخاوفها وكان وفيا لارتباطه بها ... وعند عودته في اجازاته الدراسية التي كانت تمر بسرعة البرق .. كان يجلب لها الهدايا ويغمرها بالاهتمام ... اكمل دراسته بعد اربع سنوات مرت عليها كالدهر وجعلتها تزداد تعلقا به الى درجة مخيفة ... لقد احبته بكل جوارحها ومشاعرها البكر واختزل بوجوده كل الرجال ... بعد تخرجه عقد قرآنه عليها وامهلها سنة حتى تتهيا للزواج ....
في التاسعة عشرة كانت قد اصبحت من اجمل بنات القرية .. اكمل وجهها استدارته واصبحت شلوخها اعمق وادكن ... ظهرت اشراقة الحب جلية في ملامحها وحركاتها ... توزع امتلاء جسدها بشكل مغر ... نفر صدرها معلنا عن وجوده بافصح الطرق ... تضمر خصرها وبرزت خلفيتها بصورة جعلتها موضع حسد الكثيرات اللائي يتهامسن ما ان يرينها عند ظهورها في أي مجتمع ( السرة ام صلب جات ) ...
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 12-07-2015, 10:54 AM   #13
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


بدات طقوس الانتقال من عالم البنات الى دنيا النساء بكل حماس ... كانت تجلس في حفرة الدخان بالساعات الطوال حتى تفحم لونها وصار بسواد الشملة التي تتغطى بها ... جدلت شعرها الطويل في ضفائر صغيرة بعد ان اغرقته بدهن ( الكركار ) .. خاصمت الكحل الذي تعشقه ... واعتزلت الخروج من المنزل مهما كانت الاسباب ...
وقبل موعد العرس بثلاثة اشهر جددت عهدها مع الالم عندما خضعت لوشم شفتها السفلي ايذانا بانتقالها النهائي الى مجتمع النساء المتزوجات ... كتمت انفاسها بينما كانت الابر الصغيرة الحادة تغرز بسرعة وحرفية ... اغمضت عينيها حتى لا ترى الدم المندفع برغم طعمه الذي ملا فمها ... حاولت ان تلهي نفسها عن التفكير فيما يحدث لها بالغرق في تذكر حبيبها ولقاءتهما الخاطفة عند حضوره الى منزلهم ... نظراته الواعدة ولمساته المختلسة عندما يضمن اختفاء الاعين المراقبة ... كانت تتوق ليوم زواجهما .. وتتلهف كي يصبح كل منهما ملك للاخر ...
عندما انتهى الوخز المؤلم مسح الدم بقطعة نظيفة وذر نبات النيلج على شفتها المتقرحة التي تورمت حتى احست بانها تحمل شيئا غيرها في وجهها .. وكان الالم رهيبا خصوصا عندما تحاول شرب الماء .. فقط الغوص في خيالها مع ابراهيم كان يخفف المها ويجعلها تحتمل كل ما تمر به ليقينها بانها تفعله من اجله .. وكي تكون جميلة امام عينيه ...
في يوم العرس كان قلب السرة يتقافز في صدرها كقطة مشاغبة ... استيقظت فجرا وظلت في سريرها ساكنة ... تفكر ... وتحلم ... وعندما بدات الشمس تنشر ضياءها اصبح المكان حولها كخلية نحل .. لكنها ظلت مسجونة داخل الغرفة المظلمة ولا يسمح برؤيتها الا للمقربون .. كانت تتامل بدهشة وفرح نقوش الحنة السوداء التي رسمت باتقان من اطراف اصابعها وحتى منتصف ذراعيها ومن اصابع قدميها حتى منتصف ساقيها .. جسدها الذي توالت عليه ابخرة حطب الشاف والطلح والكليت والهبيل ... اكتسب نعومة مذهلة خصوصا بعد جلسات الفرك بعجينة ( اللخوخة ) المخلوطة ببودرة الكركم وقشور البرتقال المجفف المطحون والتي كانت تتم صبحاً ومساءَ على ايدي خادمات قويات ... بدا ضجيج الخارج بعيدا عنها وهي سارحة في امنياتها وخيالاتها .. مرت ساعات اليوم كالبرق وما ان مالت الشمس نحو الغروب حتى اتت امها وخالاتها وهن يحملن الصناديق الخشبية المشغولة بالاحجار الملونة والاصداف وبدات طقوس التزيين وارتداء الملابس المرهقة ... تولت شقيقاتها تعطير كامل جسدها بزيت الصندل حتى صار لامعاً متوهجاَ .. عطراً ... واحست بوخزات مؤلمة عندما شُد رباط ( الرحط ) حول خصرها باحكام لينزلق فوقه فستان الستان الاحمر القصير... صففت خالتها شعرها الطويل وتركته منسابا خلف ظهرها ليغطي خلفيتها المتوثبة ثم وضعت فوقه ( الجدلة ) المنضومة من جنيهات الذهب الخالص .. من اذنيها تدلت ( الفدو ) الضخمة .. وامتدت (الرشمة ) من خلف اذنها حتى انفها ليصبح وجهها المستدير بشلوخه العميقة مضيئاً بانعكاسات لون الذهب والستان الاحمر ..
تغطى صدرها الناهد ( باللبة ) الكبيرة المتوارثة في العائلة منذ اجيال .. وكاد عنقها ينحني من ثقل عقود ( القصيص ) و ( الفرجلات ) ... تراصت عشرات الاساور على يديها وأحاطت ثعابين ذات عيون حمراء لامعة بأعلى ذراعيها ... على الساقين وضعت ( حجول ) كبيرة اظهرت جمالهما وزاد الكحل الاسود عينيها عمقا واتساعاً ... وبعد انتهاء طقوس ارتداء الملابس والزينة احضرت احدى شقيقاتها ( مبخر ) ملتهب الجمرات ووضعت فيه قبضة من اعواد خشب الصندل المعطر ووقفت السرة فوقه بصبر حتى تشبعت به واصبحت رائحتها مزيج مثير يشاغب الخيال ويلهب المشاعر .. اخيراً لفت قوامها بثوب حـريـري احمـر مزين بـورود ذهبيـة لامعـة .. تغطت ( بالقرمصيص ) وتهادت في مشيتها مصحوبة بالزغاريد وأدعية الحفظ من امها وخالاتها .. وتنافست طلقات الرصاص المحتفية بمقدم العروس .. كانت تتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى وصلت الى المكان المعد لجلوسها مع زوجها .. عندما رفع ابراهيم ( الفركة ) عن وجهها احست باحتباس انفاسه فنظرت اليه بخجل ... كان يبدو رائعاً بطوله الفارع الملفوف في ( توب السرتي ) بلونيه البيج والاحمر ... توسط جبينه العريض هلال ذهبي مربوط بقطعة من المخمل الاحمر ... احست بدقات قلبها تتصاعد في اذنيها .. واصابها دوار خفيف جعل بقية احداث الليلة مشوشة ... تتذكر منها لمسة ابراهيم على فخذها عندما همَ بقطع شعرات الرحط المربوط على خصرها ... كانت لمسة خاطفة اشعلت النار في حواسها المرتعدة ووعدتها بالكثير ..جعلتها تهيم في عالـم آخـر فاصبحت طقوس ( الجرتق ) كانها حلم افاقت منه على رذاذ اللبن الذي رشه ابراهيم بسخاء على وجهها ..
بدا الحفل بغناء حماسي رفرفت له القلوب وارتفعت العصى والسيطان عالياً ... اغمضت عينيها خوفاً وهي ترى حبيبها ينهال ضربا على ظهور اخوانه واقرباؤه واصدقاؤه المتلفحين بشجاعتهم وصمودهم امام لسعات (سوط العنج ) اللاهبة وهي تصلي الجلود العارية .. حتى حامد شقيق زوجها الصغير وقف بشجاعة متحملاً الضربات التي مزقت جلده الغض بلا رحمة ... ارتفعت حرارة المشاركة وزادت الحماسة عندما تعالت زغاريد النساء الفخورات وهي تمجد شجاعة رجالهن في تحمل الالم .. كان ( بطان ) حامي الوطيس ولم يتخلف عنه احد ...
بعد انتهاء الحفل جلس زوجها بقربها وهمس في اذنها ...
- السرة ... احنا حنسافر بكرة إن شاء الله الخرطوم ... عارفك تعبانة شديد عشان كدة حاصبر لغاية بكرة ... ارتاحي الليلة ونومي كويس .. لانو لمن نصل هناك مافي نوم..
اخجلتها كلماته الموحية فلم تستطع الرد ولا مواجهة نظراته ...ضغط على يدها برفق وابتسامته تملا وجهه الوسيم ...
- انتي لسة بتخجلي مني يا السرة ؟؟ بعد دة خلاص مافي خجل بينا .. بجيك بدري خليك جاهزة ..
اختار ابراهيم فندق جديد مشيد في منطقة هادئة وجميلة ... عاشت فيه السرة ايام لن تنساها ابدا كانت خليط من المتعة والالم .. اختبرت فيها احاسيس لم تكن تظن انها تملكها ... تعرفت فيها على نفسها وكنوزها بصورة لصيقة ... عاشت اوقات من السعادة الخالصة التي جعلتها تندم على كل لحظة من عمرها مرت بدون وجود ابراهيم فيها ...
بعد عودتها الى القرية انتقلت الى بيت العمدة في جزء خصص لها .. وبدات تتعمق في تفاصيل حياتها الزوجية حتى خيل اليها انها كانت زوجة لابراهيم منذ الازل ... عندما انقضت سنة على زواجها .. تقدم ( بلة ) شقيق زوجها الاصغر لخطبة شقيقتها الصغرى ... وعندما انجبا اول طفل لهما بعد سنة اخرى من زواجهما بدأ الجميع يتساءلون عن سبب عدم انجابها هي وابراهيم ... وكانت بداية رحلة طويلة من العلاج استمرت ثلاث سنوات رفض خلالها ابراهيم كل الضغوط التي مورست عليه للزواج مرة اخرى بحجة ان السرة عقيم ولن تنجب له اطفال ...
عندما بدات اعراض الحمل تظهر على السرة لم تصدق نفسها واصرت على استشارة الطبيبة قبل ان تبشر زوجها الصابر الملهوف ... بكت بحرارة عندما تاكد حملها .. وافرغ ابراهيم عشرون طلقة من مسدسه في فضاء المنزل ... ذبحت العجول ووزعت على فقراء القرية ... وعادت البسمة الى وجه السرة .. حرص زوجها على ملازمتها طيلة الوقت واقتصرت سفراته الى العاصمة على الامور التي لا يمكن تخليصها من القرية ... كان حمل السرة يتقدم سلسلاً بلا مشاكل وبطنها يتكور باندفاع تباهت به بين نسوة الحي ... في نهاية شهرها السادس سافر ابراهيم الى العاصمة لعقد صفقة مع احد التجار ... غاب عنها لمدة اسبوع مر عليها كالدهر ... وفي اليوم المقرر لعودته استعدت لاستقباله بلهفة امراة عاشقة .. كانت تجلس على كرسي امام المرآة وهي تتزين بحرص ... جدلت شعرها الطويل بالطريقة التي يحبها زوجها .. كانت تبتسم لانعكاس صورتها وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بحنان عندما تناهت الى سمعها اولى الصرخات الملتاعة ..
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 12-07-2015, 10:55 AM   #14
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي

ركضت خارجاً تستقصى الامر وقد انقبض قلبها من صدى الحرقة والمرارة التي شابت هذه الصرخة ... عندما وصلت الى الحوش وجدت والدة زوجها مرتمية على الارض وهي تحثو التراب على راسها ووجهها ... بينما جلس عمها العمدة منهارا وقد انحنت قامته التي كانت دوما منتصبة بفخر وكبرياء ... كانت شقيقات زوجها يبكين بحرقة اخافتها فاقشعر جلدها وانتابتها مشاعر غامضة .. ما ان رآها الجميع في طرف الحوش حتى تزايد العويل باصوات وهمهمات لم تميز منها غير اسم زوجها .. تسمرت قدماها على الارض وبدات تهز راسها بعنف حتى ينزاح الكابوس الذي يجثم على صدرها ويكاد يسلبها روحها لكنه لم يختف ... بل اذداد حدة بوصول جيوش من البشر الذين تحلقوا حولها دون ان يجرؤ احد منهم على الاقتراب منها ... فقد بدت كالشبح وهي تسمع نعي زوجها الذي كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر ... دارت عيناها بذهول فيمن حولها .. ثم نظرت الى قميصها الجديد بلونه الاخضر الزاهي .. لقد ارتدته خصيصاً لعودة حبيبها ... لابد ان يعود ليراها وهي ترتدي اللون الذي يحبه ... لابد ان يعود ليرى طفله ... لابد ان يعود ...
فجاة امسكت بمقدمة القميص بيديها الاثنتين وشقته بكل قواها ... وقعت ارضا وهي تتدحرج في تراب الظهيرة الحار ... كان بطنها العاري يهتز وهو يرتطم بالارض كانه بالون ممتلئ بالماء ... حاولت بعض النسوة ايقافها .. لكن حزنها امدها بطاقة زئبقية فافلتت من كل محاولات التثبيت ... واذداد العويل حدة على الزوجة المفجوعة حتى شق صوت العمدة حشد النساء قبل جسده ... خلع عبائته وستر بها الجسد العاري وهو يثبتها وينهرها بصوت حازم ...
- السرة ... استغفري ربك ... البتسوي فيهو دة حرام ... استغفري ربك ...
لم تستجب لكلماته لانها انهارت بين ذراعيه وفقدت الوعي ..
ظلت السرة تقاوم واقع موت زوجها بالغياب في عالم آخر .. اعترى الخوف الجميع عليها وعلى جنينها خصوصا بعد مرور اسبوع كامل لم تفتح فيه عيناها الا للحظات قليلة تنظر فيها الى من حولها بتوهان ثم تعود الى عالمها دون ان تنبس بحرف ... استدعى العمدة امهر الاطباء من العاصمة في محاولة يائسة للحفاظ على حياة ارملة ابنه وحفيده ... كانت التشخيصات متشابهة ...
- ما تقلقوا يا جماعة .. دي ردة فعل نفسية معروفة بتعبر بيها عن رفضها لخبر وفاة زوجها ... بس لازم ننقلها مستشفى ويتعمل ليها نظام تغذية بالوريد حفاظا على سلامة الجنين ... إن شاء الله بعد فترة حيبدا عقلها يتقبل الحقيقة ويتعامل معاها ...
نقلت السرة الى المستشفى في شندي وهي ممعنة في غيابها ... وعندما استعادت كامل وعيها وغادرت المستشفى بعد عشرون يوما .. قرر جنينها ان يغادر ملاذه الآمن في احشائها ويواجه العالم مع امه الحزينة ... ولد في شهره السابع ..طفل خديج ضعيف بالكاد يستطيع الصراخ ... وضع داخل جهاز لمدة شهر كامل ظل فيه متارجحا على خيط رفيع طرفه بيد السرة التي تحارب للحافظ على رائحة زوجها التي اورثها لابنه ... وطرفه الآخر بيد ابراهيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه لزوجته في النهاية انتصرت ارادة السرة وعادت الى بيت العمدة وهي تحمله لتبدا مراسم العزاء مرة اخرى وتعيد تجديد عهد السرة مع الالم ...
- حبوبة !! انتي بتبكي ؟؟!! ...
انتفضت السرة وتبادلت نظرات مندهشة مع منال التي كانت تحمل طبق ملئ بالطعام بيد وزجاجة المياه الغازية بالاخرى ... دهشة السرة التي ظهرت في ملامحها كانت اكبر من انزعاج الحفيدة .. فهي لم تكن تتوقع ان يكون مخزون الالم في اعماقها بهذا الزخم والتوهج ... ظنت ان السنين قد حولت جمرها الى رماد .. وان الذكريات اصبحت باهتة ومترهلة كجسدها ... لقد ظنت ان حياتها مع حامد والتي فاقت الاربعين عاما قد طمست ذكرى خمس سنوات عاشتها مع ابراهيم ... ابتسمت بسخرية وهي تفكر بان سنين العمر كلها .. او ما بقى منها لن تستطيع ان تمحو من عقلها ذكرى الرجل الوحيد الذي احبته بكل احاسيسها ...
- مافي حاجة يا منال .. انا بس ما هاين علي فراق رحمة ...
عبست منال وخاطبت جدتها بلهجة مازحة ...
- اعملي حسابك يا حبوبة .. انا كدة حغير واقول انك بتحبي رحمة اكتر مني .. هسة لمن اعرس حتبكي علي ولا حتقولي بركة الاتحليت من البت المزعجة دي ؟؟
نهرتها السرة وهي تحاول ان تتمالك نفسها ..
- يا بت انتو كلكم عندي واحد وباحبكم قدر بعض ... ما سمعتي المثل البيقول اعز من الولد ولد الولد ؟؟
- طيب يا حبوبة يلا قومي اتعشي انتي الليلة من الصباح ما اكلتي كويس وصحتك ما بتتحمل صيامك دة ... يلا انا حاقعد معاك لمن تاكلي عشان نطلع برة سوا ... رحمة عاوزة تشوفك في الخيمة .. وقالت لو ما بتقدري تطلعي هي حتجي تقعد معاك جوة ..
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 12-07-2015, 10:56 AM   #15
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي



الفصل السادس

كان الحفل صاخبا كما هو متوقع من عرس في حوش ود العمدة .. انقسم الصيوان الكبير الى جزئين الرجال من جهة المدخل الرئيسي والنساء في الجزء الداخلي .. بينهما مساحة واسعة تعج بالاجساد التي تفرغ طاقتها في الرقص حيث تلاشت الحدود وتمازجت الانفاس وتلامست الكتوف وتباعدت
في منتصف الحلقة وقفت نعمات بجانب رحمة وزوجها وبلقيس وهي ترقص برزانة .. بقربها وقفت اميرة ابنتها الوسطى التي تماثلها قواماً وتميزت عن اختيها بلونها الذهبي الوهاج وتقاطيعها الجميلة لكزتها نعمات وهي تهمس في اذنها ..
- اخواتك وين ؟؟ ليه ما جوا يرقصوا مع بت اختهم ؟؟
- ما عارفة يا امي .. نادية ما شفتها من لحظة ما دخلنا مع رحمة .. وهادية انتي عارفاها بعد ما لبست الفستان ابت تمشي معانا للصورة وقاعدة جوة اوضتها وقالت ما طالعة الحفلة ..
ظهرت علامات الغيظ على وجه نعمات وهي ترفع يدها الممتلئة بالحى الذهبية وهمست مرة اخرى في اذن اميرة ...
- تعرفي البنات ديل حيعملوا لي جلطة ... امشي فتشي نادية وخليها تجيني هنا سريع وادخلي لهادية قولي ليها امي قالت ليك لو ما جيتي طالعة هسة دي شوفي الليلة حيحصل ليك شنو .
كان البحث عن نادية مهمة صعبة في الصيوان الكبير ووسط الجموع الراقصة .. لذلك قررت اميرة احضار هادية اولا حتى تطفي غضب امها ثم تتفرغ للبحث عن نادية التي اختفت بصورة غامضة عقب دخولهم مع رحمة .. بدات تشق الزحام تلاحقها العيون المعجبة بجمالها الآسر وجاذبيها الطاغية الكامنة في عيونها العسلية الواسعة وخطواتها الرشيقة والغمازتان العميقتان اللتان تنغرزان باغراء في خدودها عند اقل تعبير في وجهها .. بدات نظراتها تدور في مسح سريع بلا تركيز وهي تامل في مصادفة شقيقتها الكبري ... تعثرت خطواتها وكادت تسقط لولا يد قوية ثبتتها ... رفعت راسها لتشكر منقذها فاحتبست الكلمات في حلقها عندما تصادمت عيناها بعيني (عمار ) ابن شقيقة السرة ... لقد التقيا في عدة مناسبات عائلية .. واحست بشرارات تندلع كلما تصافحا ... لم يكن وسيماً بالمعنى المتعارف عليه ... لكنه محاط بجو رجولي غامض لفت انتباهها واثار اعجابها منذ زمن طويل .. لكنها لم تكن تجرؤ على التفكير فيه او الافصاح عن مشاعرها لاي كان ... فهو يحمل رائحة زوجة ابيها التي تبغضها امها اكثر من أي شئ آخر تعرفه ... سحبت يدها من قبضته القوية بنعومة وهي تهمس ..
- شكرا يا عمار .. معليش ما كنت منتبهة قدامي بفتش على نادية .. ما شفتها ؟؟
عندما هز راسه نفيا حاولت ان تواصل طريقها لكنه لم يتزحزح عن دربها وثبت نظراته في وجهها الفاتن وانتشرت ابتسامته حتى عمق عينيه وهو يتاملها بدقة ..
- كيفك يا اميرة ؟؟ .. انا من قبيل باحاول اوصل ليك وما قادر لانك واقفة جنب خالتي نعمات .. عاوز اتكلم معاك في موضوع مهم ..تعالي نرقص عشان تبقى وقفتنا مع بعض عادية ...
فزعت اميرة من طلبه ... نعمات غاضبة بما فيه الكفاية من اختفاء شقيقتيها ... ولن تغامر باثارة غضبها اكثر فاعتذرت بسرعة ...
- معليش يا عمار .. امي مرسلاني وما بقدر اتاخر عليها ... خليها وقت تاني ..
- خلاص موافق بس اوعديني ما تزوغي مني زي كل مرة .. انا محتاج فعلا اتكلم معاك والموضوع بيهمك زي ما بيهمني ...
نظرت خلفها بقلق وهي تامل ان لا تلتفت امها وتراها برفقة عمار ..حاولت اختصار الكلام..
- والله ما بزوغ يا عمار ولو ما لقيت فرصة الليلة بكرة حنتكلم .. انت حتقعد للصبحية ولا ماشي ؟؟
- حتى لو مشيت بجي راجع مخصوص عشانك .. خلاص اتفقنا ؟؟ وبرضو بتمنى تجي ترقصي معاي ..
هزت راسها بشرود وهي تتفادى جسده الذي يسد طريقها ... ارتعدت حواسها من عمق نظراته وما تحمله من حديث سري لم يغب معناه عن قلبها ... وكان هو ينظر الى غمازتيها العميقتين .. واحس برغبة قوية في ان يضع اصابعه داخلهما ... رفع يده بحركة لاشعورية .. لكن اميرة كانت قد هرولت واختفت خلف البوابة الكبيرة ...
كان منزلهم يبعد قرابة المائة متر من البيت الكبير الخاص بزوجة ابيها .. وبرغم محاولات نعمات المستمرة باقناع زوجها بناء سور يفصل البيتين عن بعضهما ... الا انه رفض بصورة قاطعة .. وكانت اجابته الحاسمة في كل مرة تعيد نعمات طلبها ..
- آخر شئ اعمله اني ابني حواجز اسمنت بين بناتي .. مش كفاية الحواجز العملتوها انتي والسرة ؟؟
كان منزل ابراهيم الاقرب اليهم فحرصت نعمات على توطيد علاقتها مع زوجته ( حبيبة ) نكاية في ضرتها ... حتى بنات ابراهيم كن اقرب اليهن من اخواتهن .. دخلت المنزل الهادئ واتجهت من فورها الى غرفة هادية ... وقبل ان تدخل من الباب المنفرج تناهى الى سمعها صوت بكاء مكتوم .. لابد ان شقيقتها الصغرى تمر باحدى نوبات اكتئآبها ... فتحت الباب ونظرت اليها باشفاق .. كانت تجلس على الارض باستسلام وقد اتكا ظهرها على خلفية السرير العالية .. امامها تناثرت اطباق الطعام وتبعثرت بقاياه حولها بفوضى ... سيطر على جو الغرفة رائحة البيض المسلوق فاصبحت خانقة .. انتشر فتات الخبز والجبن وملا الفستان الزهري الذي تلطخ ببقع زيت الاطعمة ... كان اوداجها منتفخة بالطعام الذي لم تكن تمضغه بل تبتلعه بسرعة تتبعها بجرعات متتالية من زجاجات المياه الغازية المتراصة حولها .. كانت تاكل وتبكي في نفس الوقت ... عندما احست بحركة الباب رفعت وجهها ونظرت الى شقيقتها بحقد وخاطبتها بتحدي ...
- عاوزة شنو يا اميرة ؟؟ خليتي الحفلة وجيتي ليه ؟؟ وبتعايني لي كدة مالك ؟؟ عمرك ما شفتي ليك زول بياكل ؟؟
حاولت اميرة ان تعتصم بهدوءها المعروف امام ثورة هادية ..
- امي بتسال عليك وقالت ليك تعالي برة .. واكيد هسة رحمة زعلانة منك لانك ما رضيتي تمشي مع الشباين ...ولا حتى جيتي باركتي ليها ...
نهضت هادية بتثاقل وهي تتكئ على ركبتيها ويديها .. وبدات تقطع المسافة بينها وبين اميرة بخطوات متكلفة ... وهي تتكلم بلهجة ممتلئة مرارة ...
- عاوزيني امشي مع الشباين ؟؟ طيب ايه رايك في المشية دي ؟؟ رهيبة مش كدة ؟؟ زي مشية الدب .. ولا اقول مشية الفيل احسن ؟؟ انتو عاوزين الناس كلها تضحك علي وتقول شوفوا خالة العروس السمينة ؟؟ ولا عاوزني امشي جنبكم عشان رشاقتكم وحلاوتكم تبين ؟؟ انا من الاول قلت ليكم ما عاوزة احضر العرس ولا ابقى شبينة .. انتو الاصريتو تخيطوا الفستان عشان تختوني امام الامر الواقع ... اها الفستان دة هاك ليهو ؟؟؟
مدت يدها الممتلئة وانتزعت بعنف الوردة المثبتة في اعلى الكتف .. رمتها ارضا وهي تدوس عليها بكلتا قدميها .. احمرت عيناها انفعالا وبدا جسدها الضخم يرتعش من الغضب ..
- امشي قولي لامك هادية قالت ما عاوزة تحضر الحفلة وما حتطلع برة مهما حصل .. وما تنسي تقولي ليها اني قاعدة آكل وعدي ليها الصحون وقزاز البيبسي .. اجري يا رشيقة يا حلوة احضري الحفلة وارقصي وخلي اختك الدبة قاعدة في مكانها ...
احست اميرة بالم ينغرز في احشائها كالسكين وهي ترى بؤس هادية وكآبتها ... كانت طفلة عادية ممتلئة قليلا عن قريناتها اللائي يماثلنها سناً ولكن ليس بصورة شاذة ... بدات مشاكلها مع اعتاب مراهقتها عندما زاد وزنها تدريجيا حتى وصلت الى حجم مخيف مما جعلها انطوائية وعدوانية وتفضل العزلة ... واصبحت تتحدى قرارات نعمات لتنظيم وجباتها بمزيد من الافراط في الطعام ... بمرور السنين تفاقمت مشكلتها النفسية والجسدية ... وزاد الامر سوءاً الاسلوب الساخر الذي تعامل به الناس مع حجمها خاصة زميلات المدرسة حتى باتت تكره الدراسة وتتعلل بالمرض معظم ايام الاسبوع .. تتابع هبوط مستواها الدراسي حتى وصلت الى آخر القائمة .. ثم قررت هجر المدرسة والبقاء في المنزل دون ان تهتم بالضغوط التي مارسها عليها الجميع للعدول عن رائيها ... حتى حامد المتباعد عن مشاكل بناته تدخل بناء على الحاح نعمات وامرها بالذهاب الى المدرسة .. يومها استشاطت هادية غضبا وواجهت والدها بما لم تستطع أي واحدة من بناته قوله له ...
- غريبة يا ابوي !! اول مرة اشوفك تهتم بمشكلة تحصل في البيت دة لواحدة فينا ... الحصل شنو ؟؟ ما كنت دائما بتخلي امي تحل مشاكلنا وتشوف طلباتنا ... دة حتى احنا ما بنشوفك معانا هنا الا كل وين ووين ..كأننا ما بناتك .. كأننا اغراب انت مكلف بس تصرف عليهم ... اها المرة دي يا ابوي القروش ما حتحل ليك مشكلتي ... لا انت ولا امي ولا أي زول في الدنيا دي حيقدر يجبرني امشي المدرسة تاني ..
وكانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب احدى بناته ... صفعها بقوة حتى وقعت ارضاً وهي تبكي بحرقة .. ولم يجرؤ احد على الاعتراض ... وحسم هذا الموقف النقاش للابد .. لقد مرت مرت سنتان على هذه الحادثة لازمت فيهما هادية المنزل لا تفعل شيئا سوى الاكل ... والبكاء ...
عدلت اميرة عن محاولة اقناع شقيقتها بحضور الحفل عندما رات لمعة الغضب والتحدي تطل من عينيها .. فتركتها واتجهت الى الباب وهي تتمتم ..
- على كيفك يا هادية ... اعملي الشئ البيريحك ..
واتاها الرد المتهكم من خلفها ..
- ما اصلوا على كيفي .. وبعمل الشئ البيريحني .. اقفلي الباب دة وراك وتاني ما تدخلي اوضتي لو ما خبطتي الباب ..
المواجهة مع هادية ملاتها ياساً فخرجت بخطوات بطيئة وهي تفكر ماذا طلبت منها والدتها ؟؟!! ..
ثم تذكرت ... نادية .. يجب ان تبحث عن نادية المختفية منذ بداية الحفل ..كانت تقطع المساحة المزروعة بالحشيش بخطوات سارحة عندما اصطدمت بها فتاة منطلقة بسرعة ..كانت زينب ابنة حبيبة تلعب مع مجموعة من البنات وهن يتقافزن هنا وهناك ويملان الارض بقطرات المطر المصنوع من فوران زجاجات المياه الغازية المرجوجة بعنف ... امسكتها اميرة من كتفيها ..
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 12-08-2015, 10:55 PM   #16
مشرف اقسام تراث الكواهلة
 
الصورة الرمزية الطاهر على الريح
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: نعيمة ود الخليفة - بحر أبيض
المشاركات: 1,261
افتراضي

مجهود رائع من ود الغناوة وجعل الله لنا الوقت لنقرأها مع تحياتنا لك .
__________________
حقك تحرسو ولابجــــــي
حقك تلاوي وتقلــــــــــعو
الطاهر على الريح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 01-27-2016, 10:51 AM   #17
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي

اقتباس
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطاهر على الريح
مجهود رائع من ود الغناوة وجعل الله لنا الوقت لنقرأها مع تحياتنا لك .

شكراً أخ الطاهر على الريح
نورت حوش بنات العمدة بمرورك العطر كن دوماً بالجوار
والرواية ممتعة وشيقة ومرآة حقيقية
للمجتمع السوداني بكل محاسنه وعيوبه

__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 01-27-2016, 10:53 AM   #18
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


زينب .. ما شفتي عمتو نادية ؟؟...
هزت ابنة العشر سنوات راسها بعجلة وهي تحاول التملص من قبضة اميرة واللحاق بقريناتها .. ثم فجاة رفعت راسها ...
- ايوة اتذكرت يا عمتي ... قبيل شفتها ماشة على جهة بيت الاشباح ..
اتجهت اميرة بحذر وخطوات قلقة تجاه البناء البعيد في اقصى الساحة .. لم تكن تؤمن بالخزعبلات عن وجود اشباح في المنزل الذي شيده والدها لزوجته الثالثة ( امونة ) ... كان موقع المنزل عبارة عن قطعة ارض خالية اشتراها ود العمدة لزيادة مساحة الحديقة .. وعندما قرر الزواج شيد فيها منزلا صغيرا جميلا وبعيداً عن زوجتيه ... كان مختلفا عن بقية البيوت الاخرى المتناثرة على ابعاد مختلفة من الحوش الكبير بلونه الابيض الناصع والسور العالي الذي يفصله ويعطيه خصوصية الانفراد كانه لا ينتمي الى نفس الحوش ... هذا السور الذي اشعل النار في قلب نعمات عند بنائه وكانت المرة الاولى التي ترفع فيها صوتها على زوجها امام بناتها ...
- بنيت ليها حيطة يا حامد ؟؟ ... نسيت لمن قلت ليك افصل لي بيتي من بيت السرة قلت لي شنو ؟؟ اذكرك بكلامك ؟؟ قلت لي ما عاوز تعمل حواجز بين بناتك ... هسة مالك عاوز تبني حواجز ؟؟ اشمعنى دي يعني ؟؟ ولا عشان هي حبيبة القلب ؟؟ ولا يمكن قايلها حتجيب ليك الولد الساكيهو عمرك كلو ؟؟ خلاص من هسة كتفك مال يا حامد ؟؟ ما كنت عامل فيها رب العدل بيني وبين العجوز الشمطاء ديك؟؟
اتى رد حامد سريعا .. بارداً .. حاسماً ...
- علي الطلاق بالتلاتة يا نعمات ... اسمع منك كلمة زيادة في الموضوع دة .. الليلة تبيتي في بيت ابوك ..
يومها ظلت نعمات تبكي حتى الفجر ... كانت المرة الاولى في حياتهما معا التي يقسم فيها حامد بالطلاق ... المرة الاولى التي تدرك فيها نعمات انها قد وطأت المنطقة المحرمة في اعماق زوجها...
وصلت اميرة الى الباب الذي يربط المنزل الصغير بالبيت الكبير .. فوجئت به مغلقا من الجهة الاخرى .. لحظتها تاكدت من وجود نادية بالداخل فهي الوحيدة التي تملك الشجاعة لدخول المكان واغلاق ابوابه عليها ... نظرت حولها لترى ان كان هناك من يستطيع مساعدتها في فتح الباب ... لكن على مدّ بصرها لم تجد احداً ... كان الكل قد خرج الى الحفلة التي ارتفعت حماستها الى اقصى درجة ... استدارت وعادت ادراجها .. خرجت مرة اخرى الى الصيوان الصاخب وهي تبحث بنظراتها على امل ان تلمح شقيقتها .. فرجوعها الى امها بدون صحبة اختيها سوف يعرضها الى غضبها وربما عقاب جماعي قد تطول فترته .. التقت عيناها بعيني والدها الجالس بهيبة في صدر المكان متلفحاً بعبائته الداكنة وعصاه الابنوسية السوداء المطعمة بالعاج والفضة ونظراته السارحة التي كانت تعبرها الى مكان لا مرئي ... كانت عيناه تتموجان باطياف الالوان التي تعكس تفكيره نظرت اليه اميرة بحب وفخر وهي تفكر كم تتمنى ان تتزوج رجلا مثله ...
افاقت من سرحانها على صوت زغرودة عالية فتحركت من مكانها وبدات تشق طريقها الى خارج الصيوان ... استجمعت شجاعتها وانعطفت في الزقاق الضيق حيث يوجد الباب الخارجي لبيت زوجة ابيها الراحلة ..احست برعشة باردة تعبر عمودها الفقري وهي تبحث باصابعها عن السلك الصغير الموصول بالقفل ... شدته بكل قواها حتى سمعت صوت انسحابه من مكانه .. دفعت الباب بحذر وهي تتعوذ وتقرا القرآن بصوت مسموع ... قطعت المساحة الصغيرة التي تفصل الباب من المبنى الانيق بخطوات مهتزة وهي تركز نظراتها على الضوء الخافت المنبعث من داخل المنزل .. كانت تهمس بانزعاج ..
- " الله ينعلك يا نادية .. انا ما بتجيني من وراك الا المشاكل .. بس اموت واعرف انتي البيجيبك البيت المخيف دة شنو .. وبالليل كمان ؟؟ ... والله الليلة الا اخوفك واقطع قلبك عشان تاني تتوبي ما تجي هنا " ...
خلعت حذائها العالي حتى لا يصدر صوتا ينبه شقيقتها لحضورها ..حاولت فتح الباب لكنه كان موصدا من الداخل .. وقفت حائرة وهي تحاول استراق النظر من خلف الستائر الشفافة المسدلة ... الضؤ الخافت المنبعث من غرفة نوم والدها اكد لها وجود نادية بالداخل .. فهي اعتادت الحضور هنا ايام امتحاناتها حتى تتجنب ضوضاء البيت الكبير .. كانت احيانا تاتي معها بعد الحاح شديد ... ثم تذكرت المخبا السري للمفتاح الاحتياطي الذي تخبئه شقيقتها تحت قطعة السجاد الصغيرة المحاذية للمدخل .. احست بانتصار عندما دست يدها واخرجته وهي تبتسم بشقاوة لفكرة اخافة نادية ... دست المفتاح في القفل وادارته ببطء شديد .. فتحت الباب بهدوء وتسللت على اطراف اصابعها الحافية وهي تحاذر ان تصدر صوتا ... كانت الصالة الواسعة مفروشة بذوق مترف ... وتضارب لون الطلاء الفاتح مع الاثاث الغامق والديكور الناعم مشكلا لوحة مريحة للنظر .. انتشرت رائحة البخور واختلطت مع رائحة النباتات الطبيعية التي ملات الاركان ... كان الجو العام للمنزل يوحي بان صاحبته قد غابت عنه لمدة قصيرة .. وانها ستعود لا محالة ... فكرة مقابلة شبح زوجة ابيها جعلت اميرة تسرع الخطى تجاه غرفة النوم ..كان الباب موارباً فمدت راسها وهي تتهيا لاطلاق الاصوات المخيفة حتى تفزع نادية النائمة .
كان اول ما وقع عليه بصرها شبح عملاق بلون الليل يلمع جسده العاري تحت الاضواء الصفراء الخافتة مغطيا جسد شقيقتها التي تصدر اصواتا مخنوقة .. متقطعة ... مرتعدة .. وجسدها العاري يتلوى باحتجاج على حمله الثقيل ...
لابد وانه احد الاشباح التي تسكن المنزل قد هاجم نادية اثناء نومها ... اطلقت اميرة صرخة مدوية وهي تقذف حذائها تجاه الشبح وتقرا آية الكرسي بصوت مرتفع ... تبعت صرختها صرخات اخرى من الشبح الذي اصابه الحذاء بضربة قوية في ظهره فافلت نادية التي صرخت دهشة وفزعاً ... ثم تجمد الجميع وهم يتبادلون النظرات ...
كانت اميرة ترتعش كعود قصب ضعيف وسط ريح هائج ... عيناها تدوران بخوف وهي تبحث عن أي شئ يعينها في الهجوم على هذا المارد الاسود بينما لم يتوقف لسانها عن قراءة القرآن وهي تتمنى ان يتبخر في أي لحظة ... سكن جسد نادية عن الحركة ..واصبح يشبه احد التماثيل الاغريقية الماجنة عارياً مبتلاً .. معبراً عن حالة الشبق التي عاشتها ببراعة تعجز عن وصفها الكلمات ..اما جسد العملاق فقد بدا يتلوى الماً وهو يمد يده خلف ظهره محاولا وقف نزيف الدم الذي تسبب به كعب الحذاء الرفيع عندما اغرز فيه ..
تحركت اميرة بسرعة استمدتها من خوفها على شقيقتها فسحبت المقعد الصغير امام المرآة في محاولة يائسة لتخليص نادية المستسلمة لسيطرة الجني الذي رفع يده محاولا تفادي الضربة القادمة ...عندها صرخت نادية ...
- اميرة اقيفي ما تضربيهو ... دة راجلي يا اميرة ... دة راجلي .
توقفت يد اميرة بحملها الثقيل في منتصف المسافة ... التفتت بذهول لتتامل نادية التي كانت تحاول ان تستر جسدها بالاغطية المرمية على طرف السرير وهي تمد بعضها للرجل الذي انزلق ارضاً ليخفي جسده من عيني اميرة اللتين امتلاتا بالدموع وهي تتراجع خلفا بخطوات مترددة بينما نظراتها تدور بحيرة في المشهد الماثل امامها ... كان فستان نادية الزهري قد وضع بحرص على احد الكراسي وفوقه رصت ملابسها الداخلية وتربع فوقها تاج الورد والسلاسل والخواتم وساعة يدها .. وفي الكرسي الاخر وضعت ملابس رجالية بترتيب مشابه ... عادت نظراتها مرة اخرى الى شقيقتها التي كانت ما تزال تبحث عن كلمات ولا تجدها ... هب العملاق من مخبئه بعد ان لف جسده بالشرشف الابيض فبدا وكان الليل والنهار قد تجاورا ..
ظلت اميرة تتراجع ونشيجها يزداد علوا وهي تحاول استيعاب ما يحدث .. واخيرا نطقت نادية التي غطاها الخوف والحرج برداء من الذلة فخرجت كلماتها ضعيفة ومفككة ..
- اميرة ... انا عارفة انتي هسة مصدومة قدر شنو من الشفتيهو ... لكن والله والله والله يا اميرة ( زاهر ) دة راجلي ... انا ما عملت حاجة حرام .. احنا معرسين لينا سنة .. صح هو زواج عرفي لكن زواج ما حاجة تانية .. والورقة عندي في البيت داساها في دولابي .. انا حامشي معاك البيت هسة اوريك ليها ... انا عارفة اني غلطت ... لكن غصبا عني ... انا عاوزاك تسمعيني كويس يا اميرة لانو انتي اقرب زول لي في الدنيا دي واكتر واحدة بتفهمني ... انا وزاهر حبينا بعض من سنة اولى جامعة وكل يوم كان احساسنا ببعض بيكبر لمن بقينا ما قادرين نسيطر عليهو ... كان احسن نعمل شنو ؟؟ نغلط وندخل في الحرام ؟؟ ولا نتزوج حتى لو زواج عرفي ؟؟ حتقولي لي ليه ما مشينا بالدرب العديل وجا طلب يدي من ابوي ؟؟ .. حقول ليك انو ظروف زاهر ما بتسمح ليهو بالدخول في مشروع زواج حاليا لانو لسة طالب وما شغال .. والاهم من دة انا وانتي عارفين امي وابوي وطريقة تفكيرهم في الزواج بزول ما مننا .. مستحيل كانوا حيوافقوا على زاهر حتى لو كان مليونير .. عشان كدة احنا قررنا نتزوج بالطريقة دي لكن دة زواج صحيح يا اميرة ... انا سالت شيخ وقال لي صحيح طالما كان في شهود واشهار .. اصحابنا القريبين لينا ومعايشين قصتنا شهدوا على العقد ... يعني زواج صحيح يا اميرة وانا ما عملت شئ حرام ... يمكن غلط لكن ما حرام ..
انقطعت انفاس نادية من فرط الانفعال وتدافع الكلمات وانخرطت في بكاء عنيف جعل العملاق المتلفح ينتفض من مكانه بسرعة مقتربا منها .. واحاطها بذراعيه بحنان ورقة تتناقض مع مظهره الخشن ... تاملته اميرة من خلال ستار دموعها ... توقفت عند اذنيه الصغيرتين وشعره الاجعد ... ملامحه المصمتة وجسده الاجرد ... التقت نظراتهما وهو يضع مقدمة ذقنه على راس نادية بينما كانت يداه تتخللان شعرها الحريري المنساب خلف ضهرها مربتا عليه في محاولة لتهدئتها ... بدت نظراته قوية متحدية ... منتصرة وتلمع ببريق غريب ...
تابعت اميرة تراجعها حتى وصلت الى باب الغرفة ... التفتت وبدات تركض بقدمين حافيتين ... وعيون عمياء ... لم تدرك كيف استطاعت ان تقطع المسافة بين البيتين دون ان تتهاوى .. عندما وصلت الى الباب الصغير وفتحته .. صفعها الصخب الذي يسيطر على الجهة المقابلة ... احست بدوار فاسندت ظهرها على الحائط البارد ..فقدت الاحساس بكل شئ ... اصبح عقلها صفحة بيضاء الا من ذكرى جسد نادية العاري وهي تتلوى تحت ثقل زاهر .. وكلماتها الجوفاء " زاهر دة راجلي "
جرّت قدميها وهي تحس بملمس العشب المبلل بين اصابعها .. دخلت منزلهم دون ان توصد بابه خلفها ... اتجهت الى غرفتها وهي تسمع صوت بكاء يأتيها متقطعا من غرفة هادية ... أوصدت باب غرفتها من الداخل وارتمت على سريرها وهي تحس بخواء يحتل روحها ويمتص كل شئ داخلها..
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 01-27-2016, 10:54 AM   #19
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


الفصل السابع

جلس حامد ود العمدة على الطاولة المربعة وسط مجموعة من معارفه واصدقاؤه وتجار السوق .. كان يحاول ان يركز في احاديثهم عن احوال السوق وغلاء الاسعار والمنافسين والكساد ... ثم ينحرف الكلام ويصبح همسا متآمراً عن النساء والمغامرات السرية فتعلو الضحكات المتخابثة لتخرجه من شروده للحظات قصيرة تدور فيها عيناه بين الحضور فيبستم لاحدهم .. ويرفع يده بتحية مجاملة لآخر ... ثم تعود نظراته دائما الى الطاولة المقابلة له حيث يجلس ابراهيم بنظراته الجائعة وجسده المتوتر ... تأمله حامد طويلاً وهو يحس بالحسرة على الولد الذي لم يكن له يوما ... ابتسم بسخرية متحدياً احاسيسه المتقلبة تجاه من غير له مجرى حياته حتى قبل ان يولد ... لا عجب انه لم يحس يوما تجاهه بابوة ولو كاذبة .. لقد حاول ان يخلق هذا الاحساس لكنه فشل .. حاول ان يجبر نفسه على قبول ابن اخيه كابن له .. لكنه لم يستطع .. كانت اعماقه قد تشبعت برفضه منذ طفولته ... كانت مجرد رؤيته تشعره بالالم والغضب خصوصا عندما يرى الحيرة في عينيه البرئيتين وهما تواجهان صده ونفوره الذي يزداد ضراوة مع كل محاولة يقوم بها ابراهيم للتقرب منه او الحصول على انتباهه وحبه ... كان في اعماقه يحس برغبة عارمة في معاقبة هذا الكائن الصغير الذي اجبره على هجر امونة والزواج بالسرة ...
ظل حامد يتابع نظرات ابراهيم فوجدها مركزة على مجموعة من الصبية الذين شكلوا حلقة متراصة يتبادلون فيها الرقص بحماس .. بدا ان اهتزاز الاجساد اليافعة كان اكبر من قدرة ابن اخيه على التحمل فهب واقفاً وقطع المسافة التي تفصله عن المخرج بخطوات عجولة .. عندما مرّ بجواره لم تفت حامد رؤية قطرات العرق المنحدرة على صدغيه برغم نسمات الهواء الباردة .. ولا لمعات عيونه ونظراته الشبيهة بنظرات صياد يبحث عن فريسة ... ولطمت انفه رائحة عطره النفاذ المخلوط برائحة عرقه لتصنع مزيجا غريباً وخانقاً ... تجاهل حامد الغمزات التي تبادلها ضيوفه عند مرور ابراهيم فاطرق وهو يفكر بغضب ان لا سر يخفى في مجتمع السوق الذي يعشق افراده نبش الصناديق المغلقة وتداول الحكايات الممنوعة ... وتظاهر بعدم ملاحظة ما يدور حوله ... لقد بات خبيرا في التظاهر و علمته تجاربه في الحياة ان يحبس انفعالاته بداخله ولا يبدي منها الا ما يرغب الناس في رؤيته ... منذ متى وهو يتظاهر ؟؟!! لم يعد يدري .. فقد توقف عن العد منذ زمن طويل لم يعد يجدي عد الايام والسنين بعد ان ضاع كل شئ ... بعد ان اصبحت كل الاشياء باهتة ... خاوية .. لا طعم لها ولا لون ولا معنى ... احيانا عندما يجلس وحيدا مع نفسه .. يتشوق لفترة من حياته كان فيها لكل شئ لذته حتى الاحساس بالالم كانت له لذته الغامضة ... وبحركة لا شعورية امتدت يد حامد خلف ظهره تبحث عن الآثار التي خلفها ضرب السوط على جلده يوم زواج ابراهيم شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات من السرة ابنه عمهم واجمل فتيات القرية ... كان يومها في الثالثة عشرة من عمره ويخطو على عتبات الرجولة بثقة تعززها ملامحه الوسيمة وحبه لامونة ابنة خالته التي تصغره بعامين .. تعلق بها منذ ولادتها وادمن التواجد في منزل خالته ليلعبا معا ..
كانت طفلة رقيقة ... نحيلة .. وهشة .. عندما تعلمت المشي اصبحت تتبعه كظله وتتعلق باذياله في اصرار ناعم جعله يحس بالمسئولية تجاهها وبرغبة قوية في حمايتها .. وكلما تقدما في العمر زادت احاسيسه عندما اصبح في التاسعة اخبر امه وخالته بانه يريد الزواج بامونة .. تلقتا الخبر بابتسامة عريضة كانت الضوء الاخضر لاحلامه ومشاعره كي تنطلق ... اصبح تعلقه بامونة مثار تندر وسط العائلة ومثار فخر لابنة السابعة التي اصبح حامد الهها في الارض ... كانت مشاعرهما اكبر من اعمارهما الغضة حتى اصبح الجميع يتعامل مع ارتباطهما كانه امر واقع لا محالة .. واصبح اقتران اسميهما يأتي تلقائيا وطبيعيا ...
جعله حبه لها اكثر نضجا من اقرانه فاصبح يتصرف كالرجال وهو ما زال في طور الطفولة .. لذلك اصر ان يشارك في " البطان " يوم عرس ابراهيم .. وعندما رفض شقيقه بحجة صغر سنه وخوفه من عدم تحمله لضربات السوط القاسية .. هدده حامد بمقاطعة العرس فوافق ابراهيم على مضض .. كان السبب الوحيد وراء رغبته المتقدة بالخضوع لهذا الطقس المؤلم هو ان تراه امونة وسط الرجال وان تفخر به.. يومها كشف عن ظهره بشجاعة ووقف ثابتاً بينما ضربات السوط تحفر بعمق في لحمه الطري ... امتلات خياشيمه برائحة الدماء لكنه لم يتزعزع مستعينا على الصمود بزغاريد النساء ونظرات امونة المبهورة به ... يومها كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم دموعها ... فبعد ان انتهى دوره واثبت قوة تحمله .. غطى ظهره الدامي واتجه بخطوات ثابتة الى داخل المنزل احس بخطواتها الخائفة تتبعه خلسة خوف العيون المراقبة المنتقدة ... كان الفزع قد احتل مكان الفخر في عينيها الحالمتين ... وعندما دخل غرفته ورفع جلبابه اجهشت بالبكاء وهي ترى خطوط الدم المتقاطعة في ظهره... فنسي حامد الآمه واحتضنها برفق محاولا طمانتها وهو يؤكد لها عدم شعوره بالالم ... لكن كلماته جعلت دموعها تزداد غزارة .. فامسك بوجهها بين يديه .. وقبل عينيها بشفتين وضع فيهما كل ما اختزنه لها من حب وحنان .. بدا له طعم دموعها المالحة كاشهى عصير في الكون كله .. واستكانت الصغيرة بين يدي حبيبها حتى هدا نحيبها .. وعاد اليها خوفها من اكتشاف امرها فطبعت قبلة حانية اعلى كتفه وخرجت مسرعة وهي تتعثر بخجلها ...
لم يستطع النوم على ظهره بارتياح لمدة اسبوع او يزيد .. وكلما اشتد عليه الوجع داواه بذكرى نظرة فخورة وطعم دموع شهي وملمس قبلة حانية ..
مرت الايام كالحلم .. وتسارعت الشهور لتصبح سنين ... كان يوزع وقته بين دراسته ومساعدة والده واخويه في شئون التجارة .. كان يحرص على التفوق في كل شئ من اجل عيني حبيبته وحتى يكون جديرا بها ... استغل تقدمه عليها في مرحلة الدراسة ليقضي معها وقتا اطول بدعوى مساعدتها فيما يستعصى عليها من دروس في الجلسات التي كانت تتم تحت مراقبة صارمة ... استطاع ان يكتسب ثقة الجميع بتصرفاته المسؤولة حتى تخطى حاجز الممنوع المتعارف عليه بحظر اللقاء ... اصر على اداء مهمة تدريسها بجدية تشتكي منها امونة التي تتوق لكلماته الجميلة فينهرها بهمس رقيق ان تنتبه حتى لا تعطي أي كان سبب لحرمانهما من هذا اللقاء .. فتنصاع له بابتسامة تشتت بها تركيزه لفترة طويلة ..
تم الاتفاق بين الاسرتين على ان يتم عقد القرآن ما ان ينتهي حامد من امتحان الشهادة على ان يحدد الزواج بعد حصول امونة على شهادتها .. وعندما حصل حامد على مجموع يؤهله لدخول اعرق الجامعات بالعاصمة زغردت امونة بفرح جرئ .. وبدات تجهز نفسها لعقد القرآن الذي سيتم فور عودة ابراهيم من رحلته الى الخرطوم ... اصيب حامد بالتوتر عندما تاخر شقيقه عن مواعيد حضوره المعتادة .. فقد نفذ صبره ولم يعد يطيق لحظة تاخير واحدة تبعده عن حبيبته ... وحين استقبل الاتصال الذي يبشره فيه ابراهيم بعودته في اليوم التالي .. استاذن والده وتوجه الى بيت خالته ليعلنهم بمواعيد حضورهم في الغد ... سالت دموع امونة عند سماعها البشارة بقرب تحقيق حلمها واختفت من امامه بحياء ... راودته رغبة قوية في تذوق طعم هذه الدموع مرة اخرى لكنه لم يجرؤ على اللحاق بها امام عيون اسرتها المراقبة .. فاكتفى بالقاء التحية بصوت جهوري وخرج وهو يكاد يطير فرحا .. وبدا يحسب الساعات المتبقية التي تفصله عن اليوم الذي قضى نصف عمره بانتظاره
في صبيحة اليوم التالي ذهب الى الحلاق ورتب خصلات شعره الناعم .. حف لحيته وجعلها تستدير باناقة حول حنكه فظهرت الغمازات العميقة على خديه واصبح وجهه الفتّي اشد وسامة واشراقا ... كان قد ورث عن والده طوله الفارع وقوامه النحيل شانه شان اخويه ... بينما اعطته والدته لونها الذهبي الوهاج وعيناها المتموجتان بدرجات البني والعسلي ... في الثامنة عشرة من عمره ... اصبح حامد ود العمدة رجلا فخورا باصله ونسبه ... مليئا بالثقة والحب ... متطلعاً لسعادته القادمة بكل لهفة ...
في ذلك اليوم مارس اعماله الروتينية بذهن شارد .. وعندما ارتفع صوت آذان الظهر قرر ان يعود الى المنزل مباشرة بعد الصلاة حتى يريح اعصابه المتوترة .. لم يكن قد انهى وضؤوه عندما اندفع الصبي الذي يرافق ابراهيم في كل سفراته من مدخل الدكان وقد بدا منهكا ومذعورا ... بعيون دامعة وجسد يرتعش بعنف داخل الجلباب الابيض الملطخ ببقع دم طازجة ... خرجت الكلمات بصعوبة من بين شفتين داميتين ...
- ابوي العمدة ... الحق .. عملنا حادث في السكة وابراهيم شالوهو ودودهو مستشفى شندي ...
انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. اغلقت معظم المحال ابوابها وسرعان ما تكون موكب من السيارات المختلفة التي اذدحمت بركابها ... عند وصولهم الى باب المستشفى تدافع الجميع لمساعدة العمدة الذي خانته قدماه بعد ان اخبره قلبه قبل الطبيب بوفاة ابنه البكر ... وشهد زوار مستشفى شندي على رجال بكوا بحرقة هزت الجدران والارض والبشر ...
كان حامد يعيش حالة من الذهول وعدم التصديق طيلة ايام العزاء التي تمددت مع وصول افواج جديدة من المعزين يوميا من جميع المدن والقرى المجاورة وحتى العاصمة ... مضى قرابة الشهر وتقلصت مساحة الصيوان المنصوب امام بيت العمدة حتى انتقلت الجلسة الى الديوان الكبير واقتصرت على الاقارب والاصدقاء الذين شهدوا في عصر يوم غائم انطلاق صرخات قوية من داخل المنزل جعلت القلوب تقفز توجسا ... تدافع الجميع داخلين ليجدوا زوجة العمدة تسد الباب بجسدها وهي تمتم بفزع ...
- حاج الامين ... الحقنا ... السرة بتولد ..
اصيب الجميع بالدهشة وارتفع صوت العمدة بانزعاج ...
- بتولد ؟؟ كيف تولد هسة ؟؟ هي مش في شهرها السابع ؟؟
في فجر اليوم التالي خرج الكائن الصغير الى العالم ..كان قطعة مجعدة من اللحم الازرق .. امتنع عن الصراخ وظل يتارجح بين الحياة والموت لفترة طويلة قبل ان يختار البقاء لمواساة امه التي احالها الحزن الى شبح صامت ... اصرت على اعطاؤه اسم ابيه الراحل وكانت تحمله طيلة الوقت وتنطق اسمه بحنان مخلوط بالحزن ...
عندما اكمل ابراهيم شهره الثالث بدات الاحداث التي عصفت بحياة حامد ...
اتى عمه والد السرة قبل صلاة العشاء ... جلس على طرف الكرسي متململاً وهو يتنحنح طيلة الوقت كأن شيئا ما علق في حلقه ... بعد الصلاة جلس ملاصقا لاخيه العمدة .. وضع عصاه امامه واتكأ عليها بكلتا يديه .. بدا كلامه بصوت ضعيف متردد ...
- اللمين يا اخوي ... انا جيت اسوق السرة وولدها ...
انتفض الجميع لدى سماع العبارة والتقت نظراتهم المندهشة للحظات قبل ان يستجمع العمدة نفسه ويرد بصوت حاد زاعق ...
- تسوق السرة وولدها ؟؟ تسوقهم وين ؟؟ وليه ؟؟ ...
انكمش الاخ الاصغر من رد فعل شقيقه ورد بخفوت ..
- اسوقهم بيتي يا اخوي ... مش أي مرة بيموت راجلها بترجع بيت ابوها ؟؟ حتى حبسها مفروض يكون في بيت ابوها ... والسرة ما عليها عدة لانها ولدت بعد وفاة ابراهيم الله يرحمه .. وهسة كملت تلاتة شهور معاكم ... والناس بدت ترمي لي في الكلام عن قعدتها هنا .. و ...
هب العمدة واقفاً وضرب بعصاه الارض فقفز جميع من في الغرفة وقوفاً .. خرج صوته هادراً وتبدلت ملامحه بصورة مخيفة ...

__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-01-2016, 12:32 PM   #20
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم ود الغناوه
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السعودية
المشاركات: 742
افتراضي


عدة شنو وناس شنو الجاي تكلمني عنهم يا محمد احمد ؟؟ انت جنيت ولا شنو ؟؟ الكلام دة يتقال لمن البت تكون معرسة راجل غريب وقاعدة مع ناس غربا .. لكن السرة قاعدة في بيت عمها ومقطوع لسان أي زول يقول كلمة واحدة في قعدتها هنا .. دة مكانها ومكان ولدها الطبيعي ... وابراهيم لازم يتربى في بيت ابوه وجده مع اعمامه واولاد اعمامه..

ارتفع الصوت الخفيض .. واكتسب حدة غذاها العناد بقوة وتصميم ...

- اللمين انت عارفني ... لو علي انا ما عندي مشكلة بخلي السرة تقعد عندكم إن شاء الله لاخر عمرها .. لكن انا وانت عارفين انو دة وضع ما صحيح ... والناس حتاكل لحمي انت اخوي الكبير .. وكلمتك على راسي من فوق بس السرة لازم ترجع بيتي ... لا عرف ولا شرع بيحلل قعادها هنا بعد ما راجلها مات .. والولد حيفضل ولدكم زي ما هو ولدنا ..وبيتي ما بعيد من بيتك وحيكون معاكم الليل والنهار .. تاني في شنو يخليها تقعد هنا ؟؟
اذدادت ثورة العمدة وهزّ صوته جدران البيت بينما اصبحت مفاصله التي تقبض على عصاته بيضاء ومتنشنجة...

- انت يا ولد جاي تعلمني العرف والشرع ؟؟السرة دي انا عمها .. وبله ود عمها و راجل اختها..

كانت ثورة العمدة تزكي نار العناد في قلب شقيقه فاصبحت ردوده اكثر حدة ...

- انت نسيت حامد ولا شنو يا اللمين ؟؟ حامد دة ما راجل .. وما محرم للسرة .. وما بيصح تقعد معاهو في بيت واحد ...
فجاة تركزت الانظار على حامد الواقف بجمود يتامل الجميع بدهشة وافكار شاردة ... احس برعشة باردة تعبر جسده عند سماعه لكلمات عمه المتحدية ... بينما ظهرت لمعة استدراك غامضة في عيني العمدة ... عمّ الصمت في الغرفة بعد العبارة الموحية التي تحمل معان لم يفكر فيها احدهم من قبل عاد العمدة الى كرسيه وتبعه الباقون ... اطرق صامتاً لفترة طويلة والجميع يرقبه بتحفز ... عندما رفع راسه كان هناك شبح ابتسامة يراود شفتيه ويحجم ... وعندما تكلم اخيراً كان الهدوء قد عاد الى صوته وملامحه ..

- خلاص يا اخوي ... خلي الموضوع يوم يومين وإن شاء الله يكون خير ..ارجع لي بعد بكرة وما حتلقى عندي الا الرد البرضيك ويرضينا كلنا...

ليلتها اصيب حامد بارق منعه من النوم وظل يدور في ارجاء المنزل متحاشياً الاقتراب من الحوش الصغير المفصول عن باقي المكان بجدار قصير حيث ينوم والديه .. ظل النور الاصفر الكئيب مضيئا حتى الفجر .. وعندما هبت الريح حملت اليه اصوات نقاش خافت ارتفع فيه صوت ابيه بينما بدا له صوت امه وكانها تبكي ...
عندما دخل العمدة الديوان مع اذان الفجر فوجئ بوجود حامد بعيونه المتقدة من السهر ... وكانت المرة الاولى في حياته التي يلمح فيها حامد علامات التردد على وجه ابيه وهو يحاول ايجاد الكلمات المناسبة للبدء بحديث ... اقلقه الامر وشعر بانكماش مؤلم في صدره ... انقذ حضور شقيقه الموقف وتهيأ الجميع للصلاة ... عندما همَ حامد بمغادرة المكان استوقفه العمدة بذات الصوت المتردد ..

- حامد .. ما تمشي .. تعال انا بدورك في كلام .. وانت كمان يا بلة تعال اقعد ..

اتت كلمات العمدة مختصرة ومندفعة كأنه يخاف أن تابى الخروج إن ابطاها

- حامد ... انت لازم تعرس السرة ..

قفز حامد على قدميه ووقف في منتصف المسافة ما بين ابيه والباب ...اتسعت عيناه وتسارعت انفاسه من خلال فمه المفتوح بذهول ..

- قلت شنو يا ابوي ؟؟ انا اعرس السرة ؟؟ اعرس السرة كيف يعني ؟؟ السرة دي ما مرة ابراهيم !! وبعدين انا حعرس امونة .. كيف اعرس السرة وامونة في نفس الوقت ؟؟ امونة ما حترضى .. وانا زاتي ما بقدر ...

اصبحت كلماته متقطعة ومفككة كانها هذيان محموم .. وبدا صوته يرتعش .. ثم انتقلت الرعشة الى كامل جسده ... اقترب منه "بلة " وقاده من ذراعه حتى اجلسه في المقعد القريب وظل واقفا بجانبه وهو يحس بالاشفاق عليه .. لم يكن يستطيع التفوه بكلمة في حضرة ابيه فالتزم الصمت بينما كان العمدة يحاول جاهدا منع امواج العطف ان تغزو عقله .. استجمع ارادته وتكلم بحدة حتى يخفي تردده وضعفه امام حزن ابنه الاصغر ...

- حامد يا ولدي ... احيانا الواجب بيبقى فوق كل شئ ... فوق القلب والمشاعر .. وحتى فوق الصح ... انت لازم تعرس السرة عشان دي الطريقة الوحيدة الممكن نخليها بيها تقعد عندنا هنا ونقدر نربي ولد اخوك وسطنا ... ولا انت عاوزها ترجع بيت ابوها وبكرة تعرس وولد اخوك يريبهو راجل غريب ؟؟ دة اقل شئ نقدر نعملو لابراهيم ( الله يرحمه ) اننا نحافظ على مرتو وولدو .. السرة لسة صغيرة وسمحة .. ومليون زول بيتمناها ... لو رجعت بيت ابوها ما بيبقى لينا حكم عليها ولا نقدر نمنعها من الزواج .. ولو اتزوجت ما بنقدر نقلع منها الولد ... يبقى الحل الوحيد انك تعرسها .. ما في زول غيرك حيحل الموضوع دة ... لو كان بلة معرس أي واحدة تانية غير اختها انا كنت خليتو يعرسها لاني عارف انو امونة حلم حياتك من انت صغير .. عشان كدة ما حقول ليك ما تعرسها بس لازم تعرس السرة بالاول وبعد ما نحسم الموضوع دة نشوف موضوع امونة ... دة قرار نهائي وما عاوز أي نقاش ...وقف حامد مترنحا وقد انحدرت الدموع ساخنة من عينيه .. اتجه الى الباب بخطوات آلية لا حياة فيها ... قبل ان يخرج استدار وخاطب والده بصوت متحشرج ..
- شوف يا ابوي .. مهما قلت وعملت انا ما حخلي امونة عشان السرة ... شوف ليك زول غيري .. اقتلني لو عاوز .. لكن ما تقول لي خلي امونة وعرس السرة ...
__________________
أنا الأسد الحارس غابتو الضريه
وانا ســـاعة القتال بختف حديه
انا الدارك عــــدوي طابقلو كيه
وأنا الدايرني ما بجيب لي هديه



شَبْكَة الكَوْاهلةُ ..آلأحْلَى وآلأجْمَلّ وَآلآكْمَلّ وآلأرْوَعّ
عبدالرحيم ود الغناوه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 09:45 AM


Powered by vediovib4; Version 3.8.7
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009